السيد محمد تقي المدرسي

113

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

( التعفّف ، العدالة الخ . . ) التي تطهر الروح بتحريرها إياها من الروابط المادية . ثم الحياة التأمّليّة بعدئذ ، أي البحث في داخل الذات بواسطة « العين الداخلية » عن الحضور الإلهي ، وهو بحث صادر عن وحي جمالي أكثر منه عن وحي عقلي ، لأن الجمال يشكل - بحسب « افلوطين » - الانعكاس الأرضي للخصب الحي واللامتناهي للخير ويدل عبر المادة على « النظام » أي « الاحد » الذي يصدر عنه الجمال . ونصل اخيراً ( لأن هذه المرحلة ليست سوى تأهيل للحياة الإلهية ) نصل إلى الوجد « 1 » . وبالرغم من عدم وجود قيم حياتية واضحة لهذا المذهب الا انه - لا شك - قد القى ظلالًا على سائر المذاهب الفلسفية ، وبالذات المذاهب الصوفية ، التي وجدت في مدرسة افلوطين تبريراً مناسباً لأفكارهم ، وبالرغم من أن التصوف ( تحقير الدينا والزهد فيها ) قد وجد تبريراً له في أكثر من مذهب فلسفي ، مثل المدرسة الكلبية التي بررت الزهد والمدرسة البيرونية ( 300 ق . م ) التي اعتبرت الكون وهماً ، واستنتجت من ذلك قيمة الامبالاة بالرغبات ، الا ان المدرسة الافلوطينية التي نسبها المسلمون خطأ إلى أفلاطون ، كانت ذات اثر بالغ على الفكر الفلسفي عندهم ، وبالذات المذاهب العرفانية والصوفية ، وقد شرحنا ذلك بتفصيل في كتابنا : العرفان الاسلامي ونقدنا هذه المدرسة من البعد النظري ولكن لا يمنعنا ذلك من الإشارة إلى نقد الجانب العملي هنا : اولًا : أساس مدرسة افلوطين قائم على نظرية الفيض التي ترى ان العلاقة بين الخالق والكائنات هي العلاقة بين الشمس وشعاعها ، والبحر وقطراته . وهي نظرية باطلة إذا انها تكفر بقدرة الخالق على الخلق ، وبأي علم وتدبير له ( إذ النظرية ترى ان صدور المخلوق من الخالق يتم بغير إرادة منه ، وحتى بغير وعي ) وتكفر بقدرة الله على تغيير الكائنات وعلى اعادتها بعد فنائها ( البعث ) . وهي اساساً مجرد فرضية لا دليل عليها ، بل ادلّة الوجدان تهدينا إلى خلّاقية الرب ، وما للكيته وعلمه وقدرته سبحانه . وهكذا نجد في الكائنات ، آيات المخلوقية والمعبدودية ، وتهدينا تلك الآيات إلى أنها كائنات مخلوقة ، وليست من ذات الألوهية ، كما تهدينا إلى أن خالقها خلوّ عن صفاتها .

--> ( 1 ) - المصدر ص 46 / 47 . .